تحولات

الإصدار العشرون من تحولات


اجتماع الأعضاء وغير الاعضاء في أوبك.. واختبار آليات التخفيض

إن الاجتماع الذي عقد مؤخراً في أبوظبي بين الدول المنتجة للنفط أوبك والدول خارج المنظمة يومي 7 و8 أغسطس الجاري كان يهدف إلى تحقيق مفهوم أفضل للعقبات التي تواجهها تلك الدول، وتقييم كيفية تحسين مستويات الانسجام فيما بينها. كما يهدف بدوره إلى تحقيق إعادة توازن أسرع في الأسواق واستقرارها وتحسين الأسعار.
هذا وقد دار النقاش في هذا الاجتماع حول الامتثال في تخفيض الإنتاج الآخذ في التناقص. حيث يقوم المنتجون بالغش لسبب أو لآخر، دون التوصل الى تحسين الأسعار. مما يعني أن البلدان المشاركة تحتاج إلى إقناع “الغشاشين” بوقف ممارساتهم الضارة ذاتياً.
الا أن تلك الحجة خاطئة من حيث الأساس. اذ أن أي منتج، لدى سماعه نصيحة أخيه للامتثال بالحدود الإنتاجية، سوف يمعن التفكير فيما يلي: لماذا يتوجب علي عدم زيادة الانتاج، في الوقت الذي تقوم فيه بعض الدول (خارج حدود الأوبك واتفاقها) بزيادة انتاجها. ولماذا أنا بالتحديد؟
وتتضخم عيوب هذه الحجة مع استمرار مشكلة خفض الأسعار: نظراً لوجود اشباع في السوق. وفائض مستمر، عدا عن مستويات المخزونات المرتفعة. لقد خفض أعضاء المنظمة الإنتاج بنسب امتثال عالية. الا أنها، على الرغم من ذلك، لم تتوصل الى تحقيق تحسن جوهري في الأسعار.
دعونا نفترض أن كافة الدول الأعضاء في أوبك قد خفضت إنتاجها بنسب أكثر من المتفق عليها، مع امكانية تحسن الأسعار قليلاً إلى أن يزيد الآخرون – الذين لم يوقعوا على اتفاق أوبك / خارج أوبك – من إنتاجهم. وإذا قمنا بتمديد هذه المعادلة، في الوقت المناسب، بشكل كمي، حينئذ ستبدو الأمور كما لو  أقدم أعضاء المنظمة على ارتكاب انتحار جماعي طوعي، وخرجوا عن نطاق عملهم وتخلوا عن حصتهم من الفطيرة للمنافسين.
وكانت الحجة المنطقية وراء اتفاق منظمة الدول المصدرة للنفط / أوبك وغير الأعضاء ،هي  ضم بعض المنتجين الخارجيين الرئيسيين إلى التخفيضات لتوثيق الصلة، ولتبدو اللعبة: زيادة عدد المشاركين لتحقيق الشكل الأمثل من التأثير على السوق.
ومن الواضح انه يتوجب على اعضاء اوبك ان يتقيدوا بهذه التخفيضات. كما، من البديهي، أهمية اعلام “الغشاشين” في اجتماع أبوظبي، أن عليهم وضع حد للغش، الى جانب بذل الجهد لتفهم سبب عدم امتثالهم. ومع ذلك، فإن كل هذا لا يرقى إلى مستوى الاستراتيجية. اذ أن الاستراتيجية تركز على الصورة على المدى الطويل: ماذا سيحدث بعد سنة أو سنتين إذا امتثل جميع الموقعين على صفقة تخفيض الإنتاج امتثالاً تاماً؟ وهل ستفي الدول غير الموقعة بحصتها الإنتاجية؟
إن تجاوز الحصص المخفضة التي وافق عليها منتجو منظمة الدول المصدرة للنفط / أوبك وغير الأعضاء في المنظمة ما هو الا مؤشر على إرهاق الدول الملتزمة حيث تتلاشى اتفاقية تخفيض الانتاج، برميلاً تلو الآخر ، الى جانب الضغوط الناتجة عن الاحتياجات المحلية والضغط الناجم عن رؤية الحصص تذهب إلى منتجين آخرين في السوق. ان الفشل في فرض الانضباط يعود، جزئياً على الأقل، الى عوامل قوية تتجاوز النوايا السيئة.
وحتى الحجة القائلة بأن كل منتج، بمجرد زيادة الأسعار، سوف يكسب أكثر من خلال إنتاج أقل، لا تكفي في إقناع جميع الموقعين على الصفقة. اذ جاءت التحسينات في الأسعار بطيئة جدا ومحدودة للغاية. وعلاوة على ذلك تسببت كلاً من ليبيا ونيجيريا من خلال الإعفاء بالتزامهما بتخفيض جذري في الأسعار في المدى القريب.
يذكر ان ليبيا التي استُبعدت من خفض انتاج اوبك بلغ انتاجها 990 الف برميل يوميا فى يوليو بزيادة 180 الف برميل يوميا عن شهر يونيو/ حزيران. كما أنتجت نيجيريا، التي أعفيت ايضا، 1.81 مليون برميل يوميا، بزيادة 30 الف برميل يوميا فى يوليو / تموز وحده. وبلغ الانتاج المشترك بين ليبيا ونيجيريا فى يوليو الماضى 590 الف برميل يوميا أعلى من مستويات اكتوبر، وهو الشهر الذى استندت اليه اوبك في خفض انتاجها وحصصها. وقد تم الآن إعادة تشغيل معظم حقول النفط الرئيسية في ليبيا، مما ساهم في نمو الناتج خلال الأشهر الأخيرة، على الرغم من استمرار وجود بعض القضايا التقنية. يذكر ان الاحداث في ليبيا تشير إلى أنه أواخر شهر أغسطس/ آب، سيوافق مبدئياً طرفان رئيسيان متنافسان على وقف إطلاق النار، مما أثار أملاً لليبيين في أن يصل الإنتاج إلى هدف الشركة النفطية الوطنية البالغ 1.25 مليون برميل يوميا بحلول نهاية عام 2017. من جانب آخر الناتج النيجيري تصاعد على الرغم من استمرار القوى الضاغطة على الصادرات الخام الرئيسية بسبب قضايا خطوط الأنابيب.
وعلاوة على ذلك، حدّت أوبك إنتاجها النفطي الجماعي للشهر الرابع على التوالي في يوليو / تموز ، الأمر الذي يعد مؤشراً آخر على كفاحها من أجل التمسك باتفاق ضخ أقل.  في حين ارتفع انتاجها بمقدار 173 ألف برميل يوميا ليصل الى 32.9 مليون برميل، وفقا لما ذكرته مصادر مستقلة حول المجموعة يوم الخميس فى تقريرها الشهري.  وكان هذا اعلى مستوى منذ كانون الاول / ديسمبر قبل الشهر الذي بدأ فيه الكارتل في تطبيق اتفاق الحد من انتاجه في محاولة لاعادة التوازن الى السوق بعد ثلاث سنوات من زيادة المعروض. وتعزى تلك الزيادة إلى إنتاج الأعضاء المعفيين من صفقة التخفيض، فضلاً عن الغش الذي تقوم به بعض الدول المنتجة للنفط.
أما عن روسيا، فقد صرح ممثل لشركة النفط الروسية غازبروم نيفت انه يعتبر “أن من المجدي اقتصاديا” استئناف الانتاج في الحقول الناضجة بعد انتهاء الاتفاق العالمي بين أوبك والدول غير الاعضاء فيها. مما يؤدي إلى انخفاض فوري في الأسعار ليعكس درجة من عدم الارتياح تجاه جانب الروس.
يذكر أن أسعار النفط الخام قد انخفضت بنسبة 7٪ هذا العام مع الضغط الذي سببه القلق من أن خفض انتاج أوبك وشركائها لا يلغي وفرة الخام العالمية.
ولكن، أين تكمن المشكلة؟
لا تزال منظمة أوبك محاصرة في ما يمكن وصفه بأنه سيناريو ال“مهمة الصعبة”. حيث يجد نفسه الكارتل في نهاية المطاف محصوراً بين مزيج من العرض المتزايد المستمر، والضغط من أجل إجراء المزيد من التخفيضات، وعدم قدرته على التحكم بالإنتاج من أي مكان آخر في العالم.
ببساطة، يمكننا القول أن أوبك جاءت في وقت مضى. ولكن تغيرت حقائق السوق تغيراً عميقاً. الا أن نفس “المنطق” الذي أنتج منظمة أوبك الأصلية لا يزال صالحا حتى الآن وهو أن التنسيق مع عدد كبير من المنتجين يمكن أن يحقق استقرار السوق وتوازن الأسعار. في حين أن الفارق الوحيد هو، ما هو عدد المنتجين؟ وهل سيكون هذا العدد كافيا للتأثير على الإمدادات، كما كانت الحال منذ خمسة عقود تقريبا؟
في اعتقادنا تعتبر اتفاقية خفض إنتاج دول الاوبك / غير الاوبك خطوة فى الاتجاه الصحيح. لتضع أمامنا حقيقة أن المنظمة لم تعد قادرة وحدها على تحقيق استقرار السوق. و لتشير، علاوة على ذلك، الى الاتجاه الصحيح، وأنه على المزيد من المنتجين أن يجتمعوا ليضعوا الأساس لمنظمة أوبك جديدة. تضم جميع المنتجين الرئيسيين معا على غرار المنظمات التي تجمع المستهلكين (مثل منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي). هذا هو السياق الجديد الذي يبدو أن الحكمة القديمة لمنظمة أوبك لم تعره الاهتمام الكافي.

أنور التقي- عصام عزيز

 


الولايات المتحدة تتحرك علناً ضد مصالح أوبك

لقد حاول بعض الخبراء إقناعنا بـ “اللعبة العادلة” وهي ضغط المنتجين باتجاه تخفيض الأسعار بهدف دفع أقل من المستهلك. لذلك، نتساءل لماذا تتوقعون من الولايات المتحدة، أو أي منتج آخر، اللعب بشكل جيد وليس ضغط الأسعار؟، ليستمر الجدل.
ان هذه الحجة خاطئة على أكثر من وجه.
دعونا نعود إلى الوراء الى عام 1986، حين سمحت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بخفض حاد في الأسعار. وفي عام 1990، حدد السعوديون أسعارا متدنية كوسيلة للمساعدة على كبح جماح الاتحاد السوفياتي، الذي كان يعتبر تهديدا لسيادة النفط. ونجحوا في ذلك عام 1998. و انخفض سعر النفط من 25 دولارا إلى 12 دولارا، تعثرت روسيا في دفع ديونها. ولكن، هل كان  من “العدل” بيع النفط بسعر 12 دولاراً؟
ثم بعد ذلك أكد العاهل السعودي الملك الراحل عبد الله، في وقت لاحق، في أواخر يونيو/ حزيران 2008، أن بلاده سوف تزيد من إنتاج النفط اليومي من 9 مليون برميل إلى 9.7 مليون لمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية. وفي يوليو/ تموز من العام ذاته، تم بالفعل رفع الإنتاج السعودي. ان ما قام به السعوديون ناتج عن فهم ناضج بأن ارتفاع أسعار النفط يضر بمصالح كل من المشترين والبائعين على حد سواء. ومع ذلك، فاننا إذا استخدمنا حجة “الخبراء”، هل يكون ذلك عادلا”؟ اذ أن المملكة العربية السعودية ما فتئت، تعمل بجد في العديد من المناسبات الأخرى ، تعمل بجد في التسعينات والألفينات في سبيل للحفاظ على أسعار النفط في نطاق مقبول لكل من المشترين والبائعين.
يذكر أن الرياض قد صرحت بشكل واضح أن ارتفاع الأسعار في السوق سيئ بقدر انخفاضها. فالأسعار المرتفعة تقلل الاستهلاك وتشجع الاستثمارات في عمليات الاستكشاف والاستخراج الإضافية، في حين أن انخفاض الأسعار يؤدي إلى طرد الاستثمارات والشركات المفلسة، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى أزمة في العرض. كما أنه في حال تحركت الأسعار فجأة من الأعلى إلى الأدنى، فان الأسواق ستدخل مرحلة طويلة من التقلبات لتنتهي دورة الوفرة وتحل حالات العجز.
لا يبدو أن المنتجين الأميركيين يدركون، بدعم كامل من حكومتهم، أنهم من خلال لعب دور المفسد في سوق اليوم، يقوّضون أساسهم الطويل الأجل بانتقالهم الآن إلى المنافسة مع منظمة أوبك في أحد أسواقها الرئيسية. حيث لا تزال بيانات الإنتاج والمخزونات الأمريكية أهم عامل في المحافظة على انخفاض الأسعار. وقد احتلت حالة إنتاج النفط والطلب عليه وصادراته في الولايات المتحدة الصدارة تدريجيا، حيث أصبح عامل التأرجح هذا العام في أسواق النفط الخام حساساً بشكل متزايد لوجود التحالف أوبك / غير الأوبك على خفض الإنتاج.
يذكر أن الاحصائيات أظهرت انه بحلول نهاية يوليو / تموز الماضى، ارتفعت عدد منصات البترول الامريكية منصتين لتصل إلى 766 منصة وذلك تماشيا مع تباطؤ النشاط السريع الذي شهدته فى وقت سابق من هذا العام، يبدو أنّ تباطؤ اسعار النفط قد تسبب في إعادة شركات تشغيل المنبع النظر في بعض خطط الحفر. وتظهر الأسواق أن آسيا أصبحت أرض التنافس المحورية لكل من منتجي الولايات المتحدة ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) الذين يأملون في إيجاد موطئ قدم لبراميلهم الإضافية.
لقد كانت  آسيا دوماً وجهة التصدير الرئيسية لمنتجي الشرق الأوسط. في حين أن ارتفاع أسعار النفط الخام في سوق التسعير بدبي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية ونفط غرب تكساس الوسيط وغيره من النفط الخام الحلو (الذي يماثل خام غرب تكساس الوسيط) تبدو هذه “النفوط” قابلة للاستمرار اقتصاديا في المصافي الآسيوية، بالمقارنة مع النفط الخام المرتبط بالتسعير ومقره سوق دبي.
يشار إلى أنه في مايو / أيار الماضي، وسط التقارب السياسي مع  الولايات المتحدة وبعض التقارير الواردة عن “الإقناع السياسي” من قبل الرئيس الأمريكي والترويج عالمياً للنفط الأمريكي استوردت اليابان أول شحنة من النفط الأمريكي في مارس. لقد شهدت آسيا، في الواقع، العديد من الأولويات هذا العام فيما يتعلق بواردات النفط الخام من الولايات المتحدة. اذ انضمت الهند بسرعة إلى النادي الجديد. بأن اشترت شركة “بهارات بيتروليوم كورب” المملوكة للحكومة الهندية مليون برميل من النفط الخام من الولايات المتحدة لمصفاة كوتشي البالغة 190 ألف برميل يوميا، وهي أول عملية شراء للنفط الخام الأمريكي عن طريق المناقصة. وجاء عقب ذلك شراء مماثل لشركة النفط الهندية (أول شركة نفطية دولية) لمقدار 1.6 مليون برميل من النفط الخام الأمريكي في وقت سابق من هذا الشهر.
قد تكون الصادرات النفطية الأمريكية إلى آسيا جديدة بالنسبة للبعض ولكنها جزء من اتجاه التحكيم والاتجاه الجاري هذا العام. وفى مارس / آذار  اشترت شركتان نفطيتان مملوكتان للدولة الصينية 5 ملايين برميل او اكثر من النفط الخام الثقيل من البرازيل بينما اشترى مستهلك من جنوب شرق اسيا شحنة من نفط الولايات المتحدة ايجل فورد لتسليمها فى مايو / أيار  ويونيو / حزيران.
ان المملكة العربية السعودية وغيرها من منتجي الشرق الأوسط ليسوا على استعداد بالتأكيد للبقاء في وضع الخمول. وقد رفعت صادراتها إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ – أكبر وجهة تصدير لها – بمقدار 758 ألف برميل يوميا، أي بنسبة 18٪ على أساس شهري لتصل إلى 4.883 مليون برميل يوميا في يونيو /حزيران، على الرغم من انخفاض واردات الصين بنسبة 9٪، أكبر مستورد للنفط الخام السعودي في مايو / أيار . و يونيو / حزيران، كما انخفضت الواردات الصينية إلى 931،000 برميل يوميا، أي أقل من اليابان، الا أن استهلاك النفط الخام السعودي قفز 20 في المئة بسبب زيادة الاستهلاك موسمياً خلال الصيف ليصل الانتاج إلى 10.183 مليون برميل يومياً.
كما باعت السعودية المزيد من النفط الخام إلى الهند وكوريا الجنوبية في يونيو. وارتفعت واردات الهند بنسبة 17 ٪ على اساس سنوى لتصل الى 860 الف برميل يوميا وكوريا الجنوبية بنسبة 10 فى المائة لتصل الى 818  الف برميل يوميا. واستوردت اليابان، من المملكة العربية السعودية بزيادة 200،000 برميل يوميا من النفط الخام خلال يونيو / حزيران عن شهر مايو / أيار بمساعدة  عدد من العوامل بالإضافة إلى عوامل بداية الصيف التي ساعدتها على اتخاذ تلك الخطوة .
من الواضح أن الحرب مستمرة. ولكن من المستفيد؟ اذ أنه في حال انخفاض الأسعار، لن يكون هناك توسع في صناعة النفط ليبدأ العد التنازلي لأزمة العرض. وسوف ترتفع الأسعار. ان هذا التذبذب يحمل دوماً مؤشرات سيئة للاقتصاديات العالمية. اذ أنه لن يؤدي إلى أي تنبؤ أو تخطيط إلا إلى الفوضى. كما يجب على المنتجين في الولايات المتحدة أن يتراجعوا ويدركوا أن الخيار الصحيح يقضي بوجوب التنسيق مع المنتجين الآخرين.
انطلاقاً مما سبق، يمكننا القول أنّ العرب يستطيعون حتماً إنتاج النفط بتكلفة 5 دولار للبرميل الواحد. إذا كانوا يرغبون في تحطيم المنافسين!؟.

الفرنسيون لا يحبون نخبتهم الجديدة

أظهر استطلاعان للرأي أجريا مؤخراَ، تراجعاً حاداً في شعبية الرئيس ايمانويل ماكرون. الاستطلاعان اللذين استهدفا سبر رأي الفرنسيين بأداء الرئاسة الجديدة خلال المئة يوم الاولى، عكسا شكوكاً كبيرة تحوم حول أجندة ماكرون الإصلاحية.
الاستطلاع الأول، أجراه المعهد الفرنسي للرأي العام IFOP، ونشر نتائجه في شهر يوليو المنصرم، أظهر تراجع نسبة تأييد ماكرون 10 نقاط من 64 ٪ ، يوم دخوله الاليزيه الى 54٪ بعد انقضاء ثلاثة أشهر فقط على ولايته. الاستطلاع الآخر، أجري مطلع الشهر الحالي، من قبل YouGov، عكست نتائجه صورة أكثر قتامة، مع شبه انهيار لشعبية ماكرون، لتصل بالكاد، الى 36٪ فقط. ويسجل بذلك انخفاضاً قياسياً لم تشهده الرئاسة الفرنسية منذ عقدين، كاد ماكرون، ينافس فيه سلفه، فرانسوا هولاند، الذي اشتهر بعدم شعبيته لدرجة اضطر معها لإعلان تنحيه عن السباق الرئاسي لولاية ثانية.
انخفاض شعبية الرئيس الذي لقي انتخابه تهليلاً وترحيباً عارمين في الأوساط السياسية والشعبية، فرنسيا ً وأوروبياً، لم يكن مفاجأَ لكثيرين من أصحاب النظرة الواقعية في السياسة. فشعبية المرشح خلال الحملة الانتخابية، لا تترجم بالضرورة الى شعبية بعد انقشاع فورة النصر وحماسة التعبئة الانتخابية، ففور استلام المرشح لمسؤوليات إدارة الحكم، يبدأ عداد شعبيته بالتذبذب تبعاً لمقدرته على تلبية الوعود التي بالغ في اعطائّها بوصفه مرشحاً، ونجاحه في إدارة لعبة التوازنات والتسويات الداخلية مع الفاعلين السياسيين والفئات الاجتماعية ذات المصالح المتباينة.
تفسير آخر يقول، بأن انتخاب ماكرون لم يتم في ظروف اعتيادية، بل على العكس تماماً. جاء انتخاب الشاب ذو 39 عاماً، ضمن سياق جد استثنائي، وكملاذ أخير نتيجة فشل الأحزاب الفرنسية التقليدية في اليمين واليسار من حشد قدر كافي من التأييد يوصلهم الى المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية، ليبقى خيار الفرنسيين بين ليبرالي، مصرفي، ينتمي الى النخبة المعلومة، وبين قومية انعزالية صدعت بها ماري لوبن.
على هذا الأساس، يبدو تراجع شعبية ماكرون أمراً وارداً بشدة، فالفرنسيون انحصر خيارهم على مدى عقود بين الديغولية والاشتراكية. للمرة الأولى يشغل الاليزيه “غريب ” لم يفني أيامه في تسلق السًلم الحزبي الطويل، يحمل أجندة تشريعية عديمة الجاذبية، سوف تطال الجهاز الإداري الفرنسي الثقيل، قانون العمل المعقد وتخفض مستوى الدعم الحكومي لبعض الفئات المجتمعية.  وفي حين يرى اقتصاديون، أنه لا غنى عن هكذا إجراءات جراحية لإعادة اطلاق عجلة الاقتصاد المتعثر منذ عقود، الا أن قليلاً من الفرنسيين يشعرون بالحماسة والرغبة بالدفاع عنها، اذ ينقسم موقف الفرنسيين، بين كونها شر مؤقت لا بد منه، وبين من يرى أن خطط حكومة ماكرون انما تقوض أسس النظام الاجتماعي الفرنسي، وفي كلتا الحالتين فقابلية التبرؤ والرجم حاضرة.
أولى بوادر مقاومة الفرنسيين للتغيير الذي يطرحه ماكرون بدأت بالتشكل مع الدعوة التي وجهتها بعض النقابات للنزول الى الشارع في سبتمبر، مباشرة بعد عودة البرلمان من عطلته الصيفية.  رفض النقابات لقانون العمل الجديد، بعود لعدة أسباب، منها، انحيازه لصالح أصحاب الأعمال على حساب الأمن الوظيفي لملايين الفرنسيين ومنحه الشركات هامشاً أوسع للمناورة في مفاوضات التسريح الجماعية وانهاء عقود العمل الطويلة وتهديده لموقع النقابات المهنية الكبرى كطرف في صياغة القوانين والتشريعات. 
لكن السبب الأهم، برأي كثيرين، هو غياب الجدل السياسي الداخلي، وعدم خروج القانون الذي يمس مستقبل الطبقتين العاملة والمتوسطة من تحت مظلة توافق سياسي حزبي بين اليمين واليسار كما جرت العادة، يأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الفئات. غياب فكرة الجدل السياسي الحقيقي أو  “Le Debat”    هي التي تزعج الفرنسيين أكثر من غيرها. الجدل بحد ذاته، بغض النظر عن مخرجاته العملية، هو بنظرهم أساس وجوهر العملية الديمقراطية، وحرمانهم من هذا التمرين لصالح عملانية براغماتية، تريد الخروج من دهاليز المماحكات “العقيمة” الى حيز التنفيذ والفعل المباشرين، هو برأيهم، تهديم لصرح “الجمهورية” الحقيقي.
شعور الفرنسيين بعدم التمثيلية في البرلمان الجديد ناجم، بحسب دراسة نشرها معهد الفرنسي للسياسات “Science Po” أشرف عليها “لوك روهان” عن انزياح جوهري في التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للنخبة السياسية الجديدة التي تمثلها “الجمهورية الى الأمام” التي يستند اليها ايمانويل ماكرون للدفع باصلاحاته، اذ ينتمون بغالبيتهم الى الطبقة المتوسطة العليا، على عكس الحزبين التقليدين المحافظ والاشتراكي اللذين يستمدان الجزء الأعظم من خزانهم الحزبي من طبقتي موظفي القطاع العام المتوسطة والطبقة العاملة.
في حين أن ما يقارب ال 70٪ من نواب “الجمهورية الى الأمام” من “أصحاب الياقات البيضاء”، المهنيين، حملة الشهادات العليا وأصحاب المبادرات، الذين يمارسون العمل التشريعي لأول مرة وقد تكون الأخيرة، فإن الأحزاب التقليدية، جعلت من العمل السياسي، مهنة، ومنصة للارتقاء السياسي، الاجتماعي والاقتصادي، حيث تظهر الأرقام “روهان”، أن نسبة الوجوه الجديدة في كلا الحزبيين المحافظ والاشتراكي لا تتجاوز، مجتمعًين، ال 9٪.
أوجه أخرى للمفارقة بين النخبة التقليدية والجديدة، تتعلق بفارق الأجيال والشريحة العمرية الشابة نسبياً لنواب ” الجمهورية إلى الأمام” والعامل الجندري، اذ تشكل النساء ما يقارب نصف التجمع 47٪.
الحزب الشاب، إذا صحت تسميته بالحزب، مازال يفتقر الى عامود فقري وهيكل تنظيمي هرمي واضح، اذا يغلب على علاقاته طبيعة شبكية، أقرب الى مفهوم شبكات التواصل، التبادل والتأثير التي أنتجتها العولمة خلال العقدين الأخيرين، لتتناقض تماماً مع هيكل الأحزاب التقليدية المتصلب منذ ثمانينيات القرن الماضي.
هذا الإحساس بعدم التمثيلية، رغم الانتخابات كإجراء ديمقراطي صحيح، جعل المجتمع والسياسة الفرنسية ينظران الى “الجمهورية الى الامام” وأجندتها التشريعية، على أنها أمر دخيل على المشهد الفرنسي، تمت استعارته من عالم الأعمال والشركات، وتصويرهم على أنهم “فريق تدخل استشاري” مؤقت، توكل اليه مهمة إعادة هيكلة شركة غارقة في الديون وسوء الإدارة، فيقوم بالتخلص من الممارسات القديمة ويضعها على خط الربحية والمنافسة من جديد.
جوهر أزمة السياسة الفرنسية الحالية يكمن في الاضطراب الناجم على مستوى النخبة الحاكمة. النخبة القديمة استنفذت أدواتها وصدقيتها مع قواعدها بحكم التقادم، والنخبة الجديدة لم تنجح بعد في اقناع السواد الأعظم من أصحاب المصالح في المجتمع بشرعيتها. الإقرار بضرورة افساح المجال للقادمين الجدد وتفادي قطيعة قاسية بين الماضي والمستقبل سيكون مهمة صعبة ولكن لا بد منها لتفادي الاستعصاء والمضي قدماً.

زين نشار


إيران  ترفض ما تسمّيه”عبودية الانترنت “

“الانترنت ليست هي الحرّيّة، بل أسوأ أنواع العبودية” قال ذلك المدعي العام الايراني الذي يترأس لجنة الرقابة على الانترنت الجنرال ” محمد جعفر منتظري” مدّعياً فلسفة خاصة تبرر ما تقوم به الدولة من إجراءات العزلة القسريّة لشعب كامل يتخلّف عن ركب التقدم العالمي، في مجال شهد طفرة نوعية في الانترنت والفضاء السايبري باعتبار الشبكة العنكبوتية تهدد الثقافة الإيرانية والعقيدة الإسلامية، وتروّج لمظاهر غير مقبولة اجتماعياً، بما يمنح السلطات الايرانية الحق في حجب المواقع والتضييق على مستخدمي الانترنت، بل اتباع القمع وأقسى أنواع العنف بهدف السيطرة تماماً على أي هامش حرّيّة قد تمنحه وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الثقافية والفكرية والسياسية.
منظمة فريدوم هاوس – غير الحكومية – ومقرها واشنطن صنفت إيران في المرتبة الأولى ضمن قائمة الأنظمة والدول الأكثر قمعاً لحرّيّة الانترنت والاعلام عالمياً.
لقد تم إغلاق 7 ملايين موقع الكتروني وفلترة مواقع أخرى، وقمع نشطاء الأنترنت، وقد احتلت إيران المرتبة 169 من بين 180 دولة من ناحية قمع نشطاء الانترنت وسجنهم.
لقد ساقت السلطات الايرانية حججاً كثيرة معظمها بعيد عن الواقع. ذلك الواقع الذي يجسد الخوف الايراني العميق من الانفتاح على العالم والخشية من انتشار النفوذ الغربي والحرب الناعمة التي يشنها الغرب على إيران من خلال مواقع التواصل الاجتماعي بما يهدد الأمن القومي من وجهة نظرها!..
في نفس السياق منظمة مراسلون بلا حدود قالت في تقريرها الأخير ” إن إيران” عدوّ الانترنت” نظراً للقمع الصارم والقيود المشدّدة التي تفرضها حكومة طهران بحيث أصبحت إيران هي البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي يحجب وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك وتويتر ويوتوب، وكثير من المواقع التي أصبحت في متناول جميع الشعوب على مستوى العالم، إلا أن الإيرانيون يستخدمون التحايل للوصول إلى الانترنت ويتعرضون لخطر الاعتقال والسجن.
الأنظمة القمعية في العالم تخاف وترتجف رعباً من حرية الاعلام والشبكة الالكترونية، وتأتي إيران في مقدمة هذه الدول مثل الصين وكوريا الشمالية وسوريا وغيرها، وحسب تقارير لخبراء وباحثين فإن إيران أكبر عدوّ لحرية الفكر وتسعى جاهدة لتكريس الجهل والتخلف والفقر لتضمن الهيمنة على الشعب الايراني. واستمرارية بقائه مسالماً تشغله أساسيات الحياة.
لقد بدأت الحرب القمعية التي كان ومازال يشنّها النظام ضد الفضاء السايبري منذ عام 2009 الذي شهد قيام الثورة الخضراء حيث استغل مئات الآلاف من الايرانيين رسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم المظاهرات، ومنذ ذلك الحين وماتبعه من ثورات الربيع العربي التي قامت ايضاً عبر  التنسيق الشبابي على الانترنت. وصفت ايران ثورتها بأنها مؤامرة مدعومة من الأمريكيين للإطاحة بالنظام وقد قال المرشد الأعلى علي خامنئي صراحة “إن واشنطن تأمل بالإطاحة بالجمهورية الاسلامية عن طريق النشاطات الاعلامية وشبكات الانترنت”. وقال : إن الأفكار الخاطئة تجتاح مستخدمي الانترنت فلماذا علينا أن نسمح بذلك وهي أمور ضد قيمنا وهويتنا الوطنية وتجعل تطور بلادنا على يد من يحقدون علينا. ورغم أن الرئيس روحاني دعا إلى الانفتاح خلال حملته الانتخابية الأولى إلا أنه بعد ذلك شهدت ولايته إغلاق 7 ملايين موقعاً على الانترنت.
يذكر أن الحرس الثوري الإيراني نجح في تكوين ثاني أكبر جيش الكتروني على مستوى العالم لتطويق الحرب الالكترونية الناعمة القادمة من الغرب ويضم الجيش السيبري مجموعة من القراصنة والمدوّنين المدعومين من الحكومة وصل عددهم إلى 100 ألف عضواً. فضلاً عن اشتراك نحو 18 ألفاً من منتسبي ميليشيات التعبئة “الباسيج التابعة للحرس  الثوري، كما أعلن عن تشكيل كتائب الكترونية” من طلبة المدارس بهدف اشراكهم في الحرب الالكترونية ضد البلاد على غرار الجيش الالكتروني التابع لأجهزة الاستخبارات الذي يتولى مهمة مراقبة كافة النشاطات المعادية عبر الانترنت.
ليس هذا كل شيء فالأمر الأهم هو تأسيس شبكة انترنت محلية بديلة عن الشبكات العالمية لتضمن تصفحاً آمناً للشعب الايراني وفي حقيقة الأمر آمنا للسلطة في إيران ضد كل أنواع التجمعات والرأي الحرّ والتواصل عبر الهواتف والانترنت المراقبة والصحون اللاقطة الممنوعة ومراقبة شبكات التواصل بجيش من الخبراء والمتطوعين وطلاب المدارس بما يمثل حظراً تاماً يحرم 55 مليون إيراني من مواكبة العصر. وتهيئته لشبكة  الانترنت المحلية.
لقد زاد الحديث من 4 سنوات تقريباً عن تأسيس شبكة إنترنت محلية وطنية لتكون بديلة للشبكات العالمية وشبكة أخرى إسلامية تحت مسمى شبكة “الانترنت الحلال” وقد وصفت الأخيرة بأنها محدودة جداً ولم تظهر للعلن كما لم تتحول إلى مشروع عملي حتى الآن وهي تمثل الحلم الايراني. أما فيما يتعلق بالشبكة الوطنية التي تم تدشين المرحلة الأولى منها العالم الماضي وهي شبكة تقوم على الرقابة الذكية كما تم وصفها وتفرض حجباً لبعض المواد الغير مرغوب فيها وليس اغلاقها بالكامل وقد تضمنت المرحلة الأولى طرح الخدمة وإمكانية الدخول للصفحات العامة وفي المرحلة الثانية سوف يتم توفير الدخول للخدمات الحكومية الالكترونية فيما تتضمن محتويات المرحلة الثالثة الفيديو والافلام المسموح بها ودعم الشركات العاملة في التجارة  الدولية..
في الحقيقة إن الهدف الحقيقي من المشروع ليس إثراء الفضاء السيبيري ولكنه التشديد من رقابة السلطات على المواطنين وزيادة عزلتهم وزيادة الجهود القمعية التي تبذلها إيران منذ بدء الثورة الاسلامية عام 1979. وإن حكم الملالي يسعى دائماً من أجل أن يبقى الجهل والتخلف والفقر مهيمناً على الشعب الإيراني ليضمن بقاءه.
لا شك أن موقف إيران وما تقوم به من قمع وإعدامات وعنف يتناقض مع التزاماتها الدولية بموجب الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية ووفقاً  لمنظمة – العفو الدولية وقد تم اعتقال عشرات الاشخاص واصدار أحكام اعدام بحق مدونين وصحافيين من العاملين في مجال الاعلام وكتابة المدونات.
وقد وجهت مذكرات اعتقال إلى 450 شخصاً متهمون بتأسيس صفحات وقنوات غير أخلاقية ومهينة للعقائد الإسلامية وهي تهمة جاهزة لمن لا يمتثل لشبكة الأنترنت الوطنية. وقد حذرت مجموعة حقوقية بريطانية (آرتكل 19) من أن سجّل إيران بشأن إنتهاك حقوق الانسان في غاية التدهور سواء القائمة على أسس مدنية أو سياسية أو دينية أو عرقية.
وحسب مراكز بحثية فإن على إدارة ترمب أن ترفع كلفة سلوك إيران القمعي واستهدافها الحريات على شبكة الانترنت بأن تزيد العقوبات على طهران سيما وأن قطاع الاتصالات قد ألغيت العقوبات المرتبطة به بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015 كما قد أدان أوباما سابقاً الستار الالكتروني الذي حل بإيران باعتباره حاجزاً أمام الانتشار الحر للمعلومات والأفكار بما يحرم الشعب الإيراني من التفاعل مع بقية شعوب العالم.
ويتبقى الاشارة في النهاية إلى أن القمع لن يولد إلا تحايلاً بشراء أجهزة واستخدام خوادم خارجية وأن أكثر من ثلثي شباب إيران يستخدمون برامج كمبيوتر غير قانونية للدخول إلى مواقع تحظرها الدولة والالتفاف على الرقابة رغم كل ما تقوم به إيران من حظر وتجريم واعتقالات وعنف ورغم الشبكات البديلة، وقد اعترف وزير الاتصالات وتكنولوجيا  المعلومات محمود فايزي بأن إيران تحتاج إلى 15 شبكة محلية وإن الشبكة لم تكتمل بعد فيما قال معارضون إن الشبكة أثبتت عدم جدواها منذ مراحلها الأولى ولم تحقق نجاحاً كبديل للفضاء السيبيري العالمي وأن تشديد الرقابة يمهد الطريق نحو المزيد من العزلة والتخلف.

ليلى هاشم


جولة جديدة من المواجهة بين الحريري وحزب الله 

تبدو زيارة وزراء لبنانيين ينتمون “لحزب الله” وحركة أمل إلى دمشق، عنواناً جديداً للانقسام في الساحة السياسية اللبنانية، لكن قبل كل شيء كانت تلك الزيارات رسالة موجهة إلى رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، فعدم قدرته على ضبط الوزراء وإلزامهم بمبدأ “النأي بالنفس”، المعتمد رسمياً في لبنان، ينقل المواجهة بين “حزب الله” وسعد الحريري إلى مستوى جديد من التصعيد، فما بدا أنه خلاف وجهات نظر بين أنصار النظام السوري ومعارضيه ضمن مجلس الوزراء اللبناني الذي يضم ممثلين عن القوى السياسية الرئيسية، يبطن تحركاً جديداً لذراع إيران الأهم في المنطقة، ميليشيا “حزب الله”، للالتفاف على أجواء دولية تنذر بتوسيع العقوبات والتضييق على الحزب.
تبدو هذه الأجواء التي تصاعدت منذ زيارة الرئيس سعد الحريري إلى واشنطن الشهر الماضي، وإقرار الكونغرس الأمريكي لعقوبات جديدة طالت منظمات وهيئات مرتبطة بـ”حزب الله”، كحرب باردة بين محورين في لبنان، ونتيجة لصراع دول المنطقة وخاصة دول الخليج العربي بدعم من الولايات المتحدة مع إيران، لكن في الحقيقة قد تكون الأجندات الأمريكية في لبنان مختلفة مع حسابات حلفائها.
ينحو التصعيد الأمريكي إلى أن يحاول حصر وجود حزب الله ونفوذه في لبنان، لكن ربما مع تقبل لدور كبير له في لبنان، فتصريحات المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هايلي عن رغبة الولايات المتحدة بتحسين آليات عمل القرار 1701 قبل أيام من موعد التصويت في مجلس الأمن على تمديد مهمة “اليونيفيل” في لبنان، قد تكون مقدمة لتحركات دولية للولايات المتحدة تسعى من خلالها لتحديد وجود “حزب الله” في لبنان وإخراجه من سوريا وبالذات المنطقة المحاذية للجنوب السوري والتي يشكل وجوده فيها خطراً على “إسرائيل” والأردن.
ويبدو أن الحزب قد فهم الرسالة، فالتحركات السياسية والعسكرية للحزب الآن، تتجه إلى تفكيك أي تحالف بين الرئيس سعد الحريري مع رئيس الجمهورية ميشيل عون، وإضعاف الدور الذي يلعبه رئيس الحكومة كعنصر ضامن لاستقرار الحياة السياسية.
وكما اعتاد الحزب وكيل إيران الأقدم في الشرق الأوسط، فإن موعد قطف ثمار المعارك سياسياً، لا يطول، فبعد إفراغ جرود عرسال من مقاتلي المعارضة السورية المسلحة ومن عناصر “جبهة فتح الشام”، انتقل الحزب للضغط على الاتجاه السياسي الذي يمثله رئيس الحكومة سعد الحريري، للحصول على وزن سياسي أكبر، الأمر الذي تجلى بتصريح مسؤول في حزب الله حول رفض رئيس الحكومة تفويض وزراء الحزب والحركة بشكل رسمي خلال زيارتهم إلى دمشق، بأن الحزب قادر على فرض هذا الموضوع ضمن جدول أعمال مجلس الوزراء وأنه تجنب ذلك لإبعاد الحرج عن “بعض الجهات”، هذا الحرج الذي لم يحاول الحزب تجنبه في انقلاب 7 أيار عام 2008، لا يبدو أنه يقف في طريقه لإضعاف أي دور سياسي يلعبه رئيس الحكومة، والذي يمثل إضعافه محاولة لتفكيك سلطة هذا الموقع كما رسخ في اتفاق الطائف، وإضعاف لتيار سياسي يقف في مواجهة مشروع “حزب الله” في لبنان.
الزيارة بهذا المعنى، ليست فرضاً لعلاقات أوسع مع النظام، إنها تهديد واضح من “حزب الله” بانقلاب كامل على الحياة السياسية اللبنانية في حال رفع الغطاء السياسي عنه، أو تم العمل على تمرير تعديلات أكثر صرامة على قرار مجلس الأمن 1701 ليتم توسيع مهمة قوات “اليونيفيل” لتشمل الحدود السورية اللبنانية.
إعلام الحزب والإعلام المرتبط به، استحضر فوراً صوراً من الاستعراضات العسكرية للحزب عند الخط الأزرق، في مسرح عمليات اليونيفيل، برسالة معناها أن القوة الدولية العاملة في جنوب لبنان والغير قادرة على التحكم بتحركات الحزب العسكرية جنوب الليطاني لن تكون مفيدة في ضبطه على الحدود مع سوريا، لكن في الحقيقة هذه الرسالة تخفي أيضاً تخوفاً من قيادة الحزب أن تتم محاصرته بشكل كامل، ويتم عزله سياسياً ودولياً، فإعادة الحزب إلى الأجواء اللبنانية الصرفة، حتى في حالة ترك المجال مفتوحاً أمامه للتحكم بمفاصل مهمة في الدولة، ستعيده مع الوقت إلى الصف الثاني بين القوى السياسية في لبنان.
لكن قبل شيء، يبدو أن التحدي الأكبر لمناهضي “حزب الله” في لبنان ومنهم الرئيس سعد الحريري، هو بناء جبهة موحدة ضد هذا النفوذ سياسياً وإقليمياً ودولياً، فمازالت القوى السياسية لا تمتلك رؤية واضحة وموحدة لهذه المواجهة، ولعل الموقف الإقليمي وخاصةً السعودي سيكون صاحب التأثير الأكبر على تعديل الكفة في الصراع بين القوى اللبنانية، فبدون دعم إقليمي ودولي لا يمكن للرئيس سعد الحريري موازنة دور حزب الله، وبدون استراتيجية أمريكية-سعودية لا يمكن حل مشكلة ليس من قبيل المبالغة وصفها “بالمشكلة الإقليمية” فحزب الله لم يعد مشكلة لبنان لوحده الآن.

عروة خليفة


الدور الصيني في أزمة كوريا الشمالية

“نار وغضب لم يشهد العالم لهما مثيلاً”، كلمات حذر فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كوريا الشمالية من إعادة تجاربها الصاروخية. بدوره قام وزير خارجية الصين، وفي محاولة لتخفيف حدة التوت، قام بالطلب من كوريا الشمالية أن تتصرف بذكاء. فردت بيونغ يانغ من خلال بيان عسكري أعلن أن اللمسات الأخيرة هي ما ينقص استهداف مقاطعة غوام الأمريكية التي يتمركز فيها ستة آلاف جندي أمريكي. ترامب رد على الإعلان الكوري بصلابة “إن الأسلحة الأمريكية معبأة وجاهزة لضرب كوريا في حال تطاولت على الأراضي الأمريكية”.
انطلقت بعدها موجة تحذيرات دولية دعا فيها قادة العالم بمن فيهم الرئيس الصيني شي جينبينغ الطرفين إلى الهدوء وضبط النفس. الصين عبرت عن موقفها في حال بدأت بيونغ يانغ الحرب فإنها سوف تقف موقف الحياد، لكن الحال ليس كذلك في حال بدأت الولايات المتحدة الحرب، فحينها ستتدخل للوقوف في وجه الولايات المتحدة. بعدها كانت الدبلوماسية الصينية على موعد مع صخب تغريدات ترامب التي قال فيها إنه “يشعر بخيبة أمل في الصين وإن بكين لم تفعل شيئا للولايات المتحدة فيما يتعلق بكوريا الشمالية الأمر الذي لن يسمح باستمراره”، لم ترد الصين رسمياً على تغريدة ترامب، لكن صحيفة غلوبال تايمز الصينية قالت في افتتاحية اليوم إن تغريدة ترامب “خاطئة ولا تساعد في حل المسألة وأنه لا يفهم القضايا”.
يوقن ترامب عمق الروابط الاقتصادية الكورية-الصينية. فالصين هي أكبر حليف اقتصادي لبيونغ يانغ. ففي العام 2015 استأثرت الصين بما قيمته 83% من الصادرات الكورية الشمالية، أي 2083 مليون دولار، وليُصر ترامب على أن الصين تستطيع الضغط على كيم في الجانب الاقتصادي، كون الفحم يمثل أكبر صادرات كوريا الشمالية بما يُقارب 1 بليون من صادراتها والصين هي أهم مستورد. لذا عمل دونالد ترامب على إغراء الرئيس الصيني خلال اللقاء الذي جمعهما في فلوريدا إبريل الفائت عبر تقديم عروض للتعاون الاقتصادي بين القوتين مقابل التشديد الصيني على بيونغ يانغ.
الصين من وجهة النظر الجيوسياسية تعتبر كوريا الشمالية (منطقة عازلة) لأي تدخل خارجي، كون الصين محاصرة بحلفاء الولايات المتحدة. هذا السور الدائري الذي تم بناؤه في الماضي عقب الحرب العالمية الثانية يطوقها بدءاً من كوريا الجنوبية، اليابان، تايوان، والفلبين. التهديدات الموجهة لكوريا الشمالية تعتبرها الصين بمثابة تهديد لها أيضا وترى أنه يجب عليها دعم حلفائها، كونها معنية بتأكيد قوتها وسيطرتها من خلال هذا الموقف –كقوة في شرق آسيا- من أجل ذلك وجب عليها مساندة كوريا الشمالية، بغض النظر عن كونها نظاماً قمعياً.
تابعت الإدارة الأمريكية ضغوطها على بكين، ففي مقال مشترك نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، توجه ماتيس وتيلرسون إلى الصين قائلين: “إذا أرادت الصين أداء دور أكثر فاعلية في حفظ السلام والاستقرار الإقليميين، مما يصب في مصلحتنا جميعاً ولاسيما المصالح الصينية، فعليها اتخاذ قرار بممارسة دبلوماسيتها الحاسمة ونفوذها الاقتصادي على كوريا الشمالية”. ليتابع رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية الجنرال دانفورد الضغط فور وصوله إلى سول: “كقائد عسكري، فإنه يجب التأكد من أن الرئيس (ترامب) لديه بالفعل خيارات عسكرية قابلة للتطبيق إذا فشلت حملة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية.” كلام دانفورد جاء قبل يوم من زيارته إلى بكين. ذات اليوم أفضى إلى اتصال هاتفي بين الرئيسين ترامب و شي جينبينغ أكد فيه ترامب موقفه بأنه “يجب على كوريا الشمالية أن توقف التصعيد وأعمالها الاستفزازية”.
أعلنت بعدها وزارة التجارة يوم الإثنين حظراً شاملاً على استيراد الفحم والحديد وخام الحديد والرصاص وخام الرصاص والمأكولات البحرية من كوريا الشمالية التزاماً منها بما جاء في قرار الأمم المتحدة رقم 2371 بفرض المزيد من العقوبات ضد بيونغ يانغ، وهو القرار الذي أقره مجلس الأمن بالإجماع في الخامس من شهر أغسطس الجاري بهدف تقليص إيرادات كوريا الشمالية السنوية من الصادرات -والبالغة ثلاثة مليارات دولار- بمقدار الثلث. بموجب هذه العقوبات فإن بيونغ يانغ خسرت سوقاً بحجم ٢.٥ مليار دولار سنوياً. وليعلن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ – أون الثلاثاء 15/أغسطس، أنه جمّد تنفيذ خطة إطلاق الصواريخ باتجاه المياه القريبة من المقاطعة الأمريكية غوام، إلا أنه حذر من أنه سيقدم على هذه الخطوة رداً على أي “عمل متهور” قد تقوم به واشنطن.
روسيا لم تكن بمأمن من الهجوم الأمريكي، صحيفة “نيويورك تايمز” أعادت نشر تقرير قدم فيه مايكل إليمان أدلة على أن كوريا الشمالية حصلت على محركات عالية الدفع تعمل بالوقود السائل من شبكات غير مشروعة في روسيا وأوكرانيا، وأن كوريا الشمالية حصلت على محركات صواريخ باليستية، صنعت في مصنع “يوجماش” الأوكراني. لتنتفض أوكرانيا وتنفي أي صلة لها ببرنامج بيونغ يانغ الصاروخي، مؤكدةً أن مصنع يوجماش متوقف عن العمل منذ إعلان أوكرانيا استقلالها عن الاتحاد السوفيتي.
لتجد موسكو نفسها أمام اتهام هو تماماً مالا تحتاج إليه في ظل ظروف العلاقة المعقدة مع واشنطن والتوترات الكبيرة بينهما في شرق أوروبا. موسكو تنظر إلى علاقتها مع كوريا الشمالية على أنها علاقة استراتيجية، وإن كان تحيز موسكو لصالح بيونغ يانغ واضحاً إلا أنه لا يرقى إلى تحالف عسكري، وهو ما يُمكن الاستدلال عليه بإظهار روسيا في أكثر من مناسبة، سعيها إلى إنهاء هذا الصراع بشكل سلمي، وهو أيضًا ما أكد عليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اليوم الجمعة 11 أغسطس، “أن روسيا لن تقبل بامتلاك كوريا الشمالية السلاح النووي”. وليتبعه بيان صادر عن وزارة الخارجية الصينية، قال إن وزير الخارجية الصيني والروسي اتفقا على أن الهدف المشترك للبلدين هو إعادة الأطراف المتصارعة في ملف كوريا الشمالية إلى مائدة التفاوض، كما هو الحال أيضًا في الشأن السوري حسب قوله.
كلا الدولتين، الصين وروسيا، تؤمنان أن انهيار نظام بيونغ يانغ سوف ينشر الفوضى على الحدود الروسية والصينية، فاحتمالات حرب أهلية ليست مستبعدة، والتي من المؤكد أنها سوف تؤدي الى أزمة انسانية ضخمة تتضمن أزمة لاجئين تفوق بكثير الأزمة السورية، عدا عن عمليات ضبط السلاح والصواريخ التي من الممكن أن تشكل خطراً على آسيا لسنوات.

يوسف صداقي


استراتيجية جديدة قديمة لترامب في أفغانستان

بعد عدّة أشهر من الانتظار والتأجيل، أعلن الرئيس ترامب عن استراتيجيته تجاه أطول حروب الولايات المتحدة. ورغم اختلاف الخطاب بين ترامب وأوباما حيال الحرب في أفغانستان، إلّا أنه لا يوجد تغيير جذري في استراتيجية ترامب المعلنة، وتبدو في بعض جوانبها امتداداً للاستراتيجية السابقة، مع التركيز على خطاب مختلف وتوضيح لأولويات تواجد الولايات المتحدة في أفغانستان.
ركّز ترامب في استراتيجيته على أن الأمريكيين تعبوا من الحرب في أفغانستان. وفي الواقع، كلّفت الحرب في أفغانستان خزينة الولايات المتحدة أكثر من 850 مليار دولار من النفقات المباشرة، وبالتأكيد فإن التكلفة لا تنحصر في هذا الرقم، فهناك تكاليف كبيرة جداً تتعلّق بالرعاية الصحية والنفسية المقدّمة للعائدين من الحرب التي امتدت لستة عشر عام. ولكن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة اليوم مختلفة كلياً عن الحرب التي بدأتها في 2001، واليوم يتمحور دور القوات الأمريكية على التدريب وتقديم الاستشارات والمساعدة للقوات الأفغانية.
المهم في خطاب ترامب أنه وضّح أهدافه من التواجد العسكري في أفغانستان وبأنّها ليست لبناء الدولة أو الشعب الأفغاني، وليست لنشر الديموقراطية كما كان يتم الحديث سابقاً، وإنّما للعمل على استقرار أفغانستان، لتصبح دولة قادرة على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية، وتضمن ألاّ تصبح أراضيها مركزاً لمجموعات إرهابية وتنظيمات متطرّفة، وهذا الخطاب بحد ذاته مختلف عن خطاب الإدارات السابقة، أو على الأقل أكثر وضوحاً بهذا الخصوص.
اصطف ترامب في خياره الاستراتيجي مع جنرالاته في قرار زيادة عدد القوات الأمريكية، رغم أن ذلك -وعلى حد تعبيره- مخالف لإحساسه الشخصي، وذلك يوضّح أن لجنرالاته تأثير عليه، وأنه يثق بهم، ولكن لذلك أيضاً أسباب سياسية محلية. فبالإضافة لهذا التبرير، لم يحتوِ خطابه على أي أرقام أو تواريخ محددة، وعملياً كان ترامب يحتمي بذلك من قاعدته الشعبية التي ترفض زيادة عدد القوات الأمريكية. ففي الولايات المتحدة، يعد نشر قوات جديدة أمراً متعلقاً بالسياسات الداخلية والخارجية، لأنه يؤثر بشكل كبير على الرأي العام الأمريكي، ولذلك سعت معظم الإدارات الأمريكية إلى إخفاء العدد الحقيقي للقوات الأمريكية المنتشرة في ساحات المعارك.
عدد القوات الأمريكية في أفغانستان والمُعلن سابقاً من قبل وزارة الدفاع كان 8,400 جندي. ولكن صحيفة “وول ستريت جورنال” حصلت في اليومين الماضيين على تصريحات بأن عدد القوات هو 12 ألف جندي، وهذا يعني أن قرابة 3,500 جندي لم يتم التصريح عنهم سابقاً. ورغم أنه من عادة البنتاغون إخفاء الأعداد الحقيقية للجنود الأمريكيين في المعارك الدائرة، إلا أن الرقم أصبح محل اهتمام أكبر في السنوات الأخيرة، مع تناقص أعداد الجنود الأمريكيين المنتشرين في أفغانستان والعراق وازدياد حساسية الموضوع.
قامت إدارة أوباما سابقاً بالتوصل إلى اتفاق مع الكونجرس بأن تُرسل عدد القوات المنتشرة للكونجرس، وتجدّد تقاريرها حين الحاجة لأعداد أكبر، ولكن جنرالات وزارة الدفاع كانوا قد عبّروا عن استيائهم من أسلوب إدارة أوباما، معلّلين اعتراضهم على ذلك بأنه يضعف من قدرتهم على نشر قوات بشكل سريع في ساحات المعارك التي تتقلّب فيها الأمور باستمرار، مثل العراق.
ومع الزيادة المرتقبة، من المتوقع أن تصل أعداد القوات الأمريكية في أفغانستان إلى أكثر من 16 ألف جندي. وأعلن وزير الدفاع ماتيس خلال زيارته للعراق أن الرقم لم يتم تحديده بعد، وأنه سيكون قادر على نشر الرقم بعد أن يصله التقرير من رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دانفورد. ولكن الجنرال جوزيف فوتل، قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، أكّد على أنه من الضروري أن يتم إرسال القوات بشكل سريع، لأن العمليات في أفغانستان تحتاج لأعداد إضافية.
بالنسبة للأعداد الرسمية للقوات الأمريكية، فهناك 5,262 جندي في العراق بالإضافة إلى 503 في سوريا، ولكن على الأرجح فإن الأعداد أكثر من ذلك، وتصل إلى أكثر من ستة آلاف جندي في العراق وأكثر من ألف جندي في سوريا. وما زالت وزارة الدفاع الأمريكية تصر على عدم التصريح عن الأرقام الحالية، وأعلنت أنها وعند نشر قوات جديدة، فستقوم بالإعلان عنها بحسب الوحدات العسكرية، كأن تقول تم نشر كتيبة أو كتيبتين، بدلاً من الإشارة إلى الأرقام الدقيقة.
الجانب الهام الآخر من خطاب ترامب كان الحديث عن ضرورة وجود استراتيجية إقليمية لدعم أفغانستان، ودعوته الحازمة لباكستان لزيادة جهودها بخصوص مكافحة الإرهاب وطالبان، وبأنه لم يعد من الممكن السكوت عن تغاضي باكستان عن وجود عناصر من طالبان على أراضيها. وكانت المساعدات الأمريكية إلى باكستان وصلت في ذروتها إلى 3.5 مليار دولار في عام 2011، ولكن إدارة أوباما والكونجرس عملا على تخفيضها لتصل إلى أقل من مليار سنوياً، وما زال بإمكان الولايات المتحدة استخدام نفوذها للضغط على باكستان للاستجابة لطلباتها، وهدّد مسؤولون أمريكيون بأنه يمكن تخفيض الدعم لباكستان إذا لم تتعاون بالشكل المطلوب.
من وجهة النظر الأمريكية، من الضروري بالنسبة لأمن الولايات المتحدة أن تتأكد من أن سيناريو القاعدة وطالبان لن يتكرّر مرّة أخرى في أفغانستان، وأنها لن تصبح مقرّاً لمجموعات متطرفة تشن هجمات على مصالح الولايات المتحدة، ولكن الطريق إلى تحقيق ذلك يحتاج لعملية سياسية، والعملية السياسية تحتاج لمستوى من الاستقرار الأمني، وذلك يتطلّب بدوره قوات أمن أفغانية مدربّة ومعدّة وقادرة على أن تقود المعارك ضد المجموعات المتطرفة والمتمرّدة، وهذا ما تحاول القوات الأمريكية فعله منذ سنوات.

إبراهيم الاصيل